في الموضوع السابق ، عددت جملة من الكتب التأصيلية المهمة في تكوين الملكة الفقهية لطالب علم السياسة الشرعية ، وكان منها كتاب العلامة أبي العباس ابن تيمة رحمه الله ، وقد ذكرت معه تعليق الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، الذي تشرفت بتحريره وإخراجه تحت إشراف مؤسسة الشيخ رحمه الله بعد أن أدركت المنية الشيخ قبل أن يبدي لي رأيه في ما قدمته له من عناية أوسع بالتعليق ..
وكان لعناينتي بهذا الكتاب قصة لا تخلو من فائدة ، وخلاصتها مما يخدم الخاطرة هنا : أنني عندما قبلت في برنامج الدراسات العليا بالمعهد العالي للقضاء ، كنت أود التخصص في الفقه المقارن ، إلا أن لجنة المقابلة ، ومنها شيخنا د. سعود البشر ، حاولت إقناعي بقسم السياسة الشرعية ، ووصل الأمر إلى درجة الإلزام على طريقة الإلزام بالقضاء ، الذي يسر الله الخلاص منه ؛ حيث فوجئت باسمي يخرج في قائمة المقبولين في قسم السياسة الشرعية !
فبادرت بطلب التحويل إلى قسم الفقه المقارن ؛ إلا أنني صدمت بتشدد شيخنا الشيخ سعود البشر ، وكان حينها وكيلا للمعهد ، وألحّ عليّ بأن لا أستعجل في الأمر ، وتعهد بتحويلي إلى قسم السياسة الشرعية ، شريطة أن أستشير الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قبل ذلك ! وكنت ترددت عليه في مكتبه عدة مرات ، وكان آخرها في الساعة الحادية عشرة ضحى .. فقال : لماذا لا تستشير الشيخ ابن باز ؟ قلت : سأحاول ذلك في الدرس القادم . قال : اترك المحاضرة ، واذهب الآن للشيخ في دار الإفتاء ! فوقفت أمام الشيخ سعود متأملا وهو ينظر إليّ ! قال : اذهب قبل الصلاة ، صل مع الشيخ في مسجد الإفتاء ! قلت : خيرا .. وانصرفت من عنده ، وتوجهت إلى دار الإفتاء ، فأدركت الصلاة في مسجدها خلف الشيخ رحمه الله !
وبعد أن أدى الشيخ ابن باز رحمه الله السنة الراتبة و انصرف ، انصرفت معه ، وسرنا مشيا على الأقدام حتى قل من حوله من الناس ولما يصل المبنى الرئيسي بعد ، فقلت : يا شيخ حفظك الله ، المعهد العالي يلزمنا بقسم السياسة الشرعية ، وقد سعيت في شفاعة للانتقال منه إلى قسم الفقه المقارن ، فما رأيكم ؟
قال الشيخ رحمه الله : ابق في قسم السياسة ، ابق في قسم السياسة ، واعتن بكتب السياسة الشرعية عند السلف ، ككتاب السياسة الشرعية لابي العباس ابن تيمية والطرق الحكمية لابن القيم وعد غيرها مما لا أذكره الآن ، فكان جوابا مؤثرا وإن كان لا يصادف هوى النفس ، لكنه كان مخففا من نفرة كانت سائدة حينها من قسم السياسة الشرعية ..
ودَّعت الشيخ ، وانصرفت إلى الدار ، وما إن دخلتها حتى بادرت إلى الاتصال الهاتفي بالشيخ محمد بن صالح العثيمين في القصيم ، وكان رحمه الله يرد على الأسئلة الهاتفية بعد صلاة الظهر .. و من لطيف أمر الله أن الشيخ رد مباشرة - وربما تأخر الرد في العادة لكثرة المتصلين - فقلت له : يا شيخ محمد سلمك الله ! : أنا أحد خريجي كلية الشريعة ، وقد التحقت بالمعهد العالي للقضاء ، وتم قبولي بحمد الله ، لكن كان قبولي في قسم السياسة الشرعية ، وأنا أرغب قسم الفقه المقارن ، فهل ترى التحويل أو البقاء في القسم ؟
قال الشيخ رحمه الله كلاما خلاصته : لا ، ابق في قسم السياسة الشرعية ، هذا علم نحتاجه ، واعتن بكتب أهل العلم في السياسة الشرعية ، إذا لم تدرس أنت وزملاؤك هذا العلم فمن يدرسه ؟
وأقول : جزى الله الشيخين عني خير الجزاء ، فقد أرشداني إلى الاهتمام بعلم عظيم ، كان يحذر منه حينها كثير من طلبة العلم وبعض المشايخ .. وجزى الله شيخنا الشيخ سعود البشر خيرا ، حين ألح علي بالبقاء وأرشدني إلى استشارة العلماء .. ولقد عجبت من سرور الشيخ سعود حفظه الله ، حين أتيته من الغد ، وقلت : يا شيخ : جزاك الله خيرا ، سأبقى في قسم السياسة الشرعية ، والله المستعان !
ومن هنا بدأت صلتي بهذا الكتاب القيم : السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ..
وقد تبين لي أن كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، من الكتب التأصيلية في علم السياسة الشرعية ، بل هو من الكتب التي جمعت خصائص قل أن تجدها في غيره على صغر حجمه .. وقد كان الشيخان يدركان قيمته التأصيلية حين أوصياني به .. بل لقد قلت يوما للشيخ عبد العزيز : ألا تشرحون كتاب السياسة الشرعية ؟ قال ما معناه : الكتاب سهل لا يحتاج إلى شرح ، من يتأمله من طلاب العلم يفهمه !
وهو وإن كان قوي التأصيل دقيق التقعيد ، إلا أنه كتاب سهل العبارة ، فقد كتب بناء على طلب أحد الولاة ، فجمع بين التأصيل الشرعي والتطبيق الواقعي ، كما تميز بسبقه لعلماء القوانين في تأصيل القانون من خلال القاعدة القانونية ونظرية الحق .. فقد قسم الشيخ أبو العباس كتابه إلى قسمين هما : الأمانات ، والحقوق ! وركّز في الأمانات على موضوع الولايات ! وهي أساس سن القاعدة النظامية وتطبيقها ..
كما أنه قسم الحقوق إلى حقوق عامة ، وحقوق خاصة ..
وهذا غاية ما توصل إليه أساتذة القانون اليوم في التقسيم العام لأصول القانون !
لقد استشرت عالمين جليلين قلّ أن يوجد مثلهما .. وكانا على بصيرة من أمر الأمّة وما تحتاج إليه .. وعرفا بالفقه والنصح .. فرحمهما الله وغفر لهما ..
وأحسب أنهما لو علما بنتيجة تلك الإشارة لسُرّا غاية السرور !!
[سيد البهوي] [ 21/04/2010 الساعة 1:52 مساءً]
الحمد لله أنه لا يخلي الأمة من علمائها الناصحين فلا يخلو زمان من قائم لله بحجة وهذه القصة تبين معنى الإمامة لهذين الشيخين فإن العلماء كثيرون لكن الأئمة قواد الأمة قليلون ولهذا خير لك أت نعلم رجلا تخرجه إماما للناس من أن تصبح مشهورا يشار إليك بالعلم فليت شيخنا يخطو ذلك الخطو الواسع في تربية الشباب ليقوموا بنهضة الأمة ويخرج في الأمة ربانيون