العلامة ابن باز الافتراء عليه ونسبة ما لم يقله إليه!؟
(1)
في ملحق الرسالة القريب 13/5/1427 كتب الأخ المفضال الأستاذ عبد العزيز قاسم في صدر بارقته دفاعاً عن الشيخ العلامة ، مفتي المملكة العربية السعودية في حينه سماحة الشيخ/عبد العزيز بن عبد الله باز رحمه الله ، وإنه لموقف يستحق الإشادة والثناء والدعاء لكاتبه ، في الوقت الذي كادت أن تمرّ هذه المقولة منسوبة للشيخ رحمه الله دون أن يسجل أحد من الإعلاميين الشرفاء تفنيدا لها ، وإسقاطا لنسبتها إلى الشيخ رحمه الله .
وختم الأستاذ عبد العزيز قاسم – وهو أحد من كانوا يحضرون مجالس الشيخ رحمه الهإ عندما كان في المدينة النبوية – مقاله بأمرين :
أولهما وأهمهما : مطالبته للإعلامي المعروف داود الشريان بإثبات ما نسبه إلى الشيخ من مقولة غير مقبولة ، أو الاعتذار عن سبق قلمه أو وهم ذهنه .
وثانيهما : دعوته تلاميذ الشيخ – رحمه الله- أن يضيئوا للناس جوانب من رؤيته في المسألة التي نسبها إليه الكاتب داود الشريان " حفظا لتاريخه من الافتئات يرحمه الله " .
ومع أنَّ المقولة التي نسبها الكاتب داود الشريان إلى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله ظاهرة البطلان في المضمون ، فاقدة المصداقية في نسبتَها إلى الشيخ رحمه الله - إلا أنني رأيت إبطالها من كلام الشيخ رحمه الله ، مع التعريج على ردوده على بعض الافتراءات عليه في حياته رحمه الله .
ولعلّ من المفيد تأكيد أهمية تفنيد الأقوال الباطلة ، ولاسيما حين تنسب إلى أهل العلم وجليلي القدر في نفوس الناس طمعاً في رواجها ، رجاء تقبل النّاس لمضمونها ، والوصول من خلالها إلى نشر باطل أو ترويج مبطِل ، فقد جاء في اختصار الموصلي للصواعق المرسلة لابن القيم - رحمهما الله – في بيان طرق ترويج أهل الباطل لباطلهم ، ما نصّه : " الثالث : أن يعزو المتأوِّل تأويله إلى جليل القدر نبيل الذكر من العقلاء أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من حصل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ، ليحليه بذلك في قلوب الجهال ، فإنَّه من شأن النَّاس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم ... وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس ، فليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل ... " (ص : 90) .
قلت : فكيف إذا وجد أهل الباطل من بني أمة الإسلام من ينسب باطلاً إلى عالم من علماء الإسلام ، وعظيم من عظمائه ، نتيجة وهم أو سوء فهم !
فأمَّا إبطال ما نسبه الكاتب داود الشريان إلى سماحة شيخنا رحمه الله ، فأقول : لقد زعم الكاتب داود الشريان ما لا يمكنه إثباته من وجه صحيح ، فقال في مقاله ( بيانات المناصحة ، جريدة الحياة 31/05/2006) ما نصه : " إن مفتي البلاد في تلك الفترة الشيخ عبد العزيز بن باز ، رحمه الله ، اعتبر الجنود الغربيين الذين يموتون في المعركة بمنزلة الشهداء " ! ونسبة هذه المقولة إلى الشيخ غريبة عجيبة ! فالنصّ على الغربيين في هذه الجملة يوحي بأنَّ الشيخ رحمه الله يعتبر الجنود الغربيين – مع أن غالبهم وأكثريتهم من غير المسلمين - بمنزلة الشهداء ؟
أما أنها غريبة فلأنَّ الكاتب داود الشريان من أقرب الكتاب للعلم الشرعي ومقولات أهله ، وأما أنها عجيبة ، فلأنَّ هذه المقولة الفاسدة التي نسبها الكاتب إلى الشيخ العلامة / عبد العزيز بن باز - رحمه الله - لا يمكن أن يقبل نسبتها إليه من يفقه أبجديات العقيدة الإسلامية ، وكذا من يعرف الشيخ من العامَّة ، ويعلم مدى علمه وورعه وصلاحه وتقاه ، بلْه أهل العلم الشرعي ، وغيرهم من المثقفين الوعاة الذين يعرفون الرجال ويفرقون بين الحق والباطل ، وصدق الله العظيم (( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ )) [النور : 12] .
وأظنّ أن الكاتب قد وقع في وهم أو سوء فهم ، فنسب إلى الشيخ رحمه الله ، ما لا يمكنه إثبات نسبته إليه من وجه صحيح ، وأجزم بذلك ! لما تقدَّم من أنَّ هذه المقولة المدعاة مخالفة لأبجديات العقيدة الإسلامية الراسخة برسوخ العلم والثابتة بثبوت النص (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) [آل عمران : 85] ومن هذه حاله كيف يكون بمنزلة الشهداء ؟
والشيخ رحمه الله أمضى الكثير من وقته وسني عمره في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة ، وتوضيحها بالنصوص من القرآن والسنة ، وعرضها بصفائها وعرض ما يضادها لتمييزها عن غيره ، في مثل رسالته : العقيدة الإسلامية وما يضادها .
وفي امتناع وصف الكافر بالمسلم بلْه وصفه بالشهيد ، يقول الشيخ رحمه الله في أحد رسائله : " الطريق إلى الله واحد ، وهو دين الإسلام ، وهو الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم كما بعث جميع الرسل ، وأن جميع ما خالفه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو وثنية أو غير ذلك من نحل الكفر كله باطل ، وليس طريقا إلى الله ، ولا يوصل إلى جنته ، وإنما يوصل إلى غضبه وعذابه (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) "( مجموع فتاوى الشيخ ابن باز :2/282) .
ولو تتبعنا كلام الشيخ رحمه الله وتقريراته العلمية في هذه المسألة لاحتجنا إلى مئات الصفحات .
ثم إنَّ الشيخ رحمه الله صرح في فتاواه في تلك الأيام ، بأن وصف الشهيد إنما يطلق على المسلم فقط ، وهذه إحدى فتاواه في ذلك :
" السؤال :
يسأل بعض الأطباء والعاملين في النفط ، هل إذا أخلصوا النية ، وأنهم يقومون بعملهم من أجل الله تعالى ، وحدث أن قتلوا بالصواريخ التي يطلقها حاكم العراق ، هل يعتبرون من الشهداء؟
الجواب :
إذا كانوا مسلمين فهم شهداء إذا ضربوا بالصواريخ أو غيرها مما يقتلهم ، حكمهم حكم الشهداء ، وهكذا كل مسلم يقتل مظلوما في أي مكان ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((من قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) ولما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه أتاه رجل فقال يا رسول الله يأتيني الرجل يريد مالي فقال - صلى الله عليه وسلم – ((لا تعطه مالك)) فقال الرجل يا رسول الله فإن قاتلني؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- ((قاتله)) فقال الرجل يا رسول الله فإن قتلني؟ قال ((فأنت شهيد)) قال الرجل فإن قتلته؟ قال- صلى الله عليه وسلم – ((هو في النار)) ، وهذا حديث عظيم يدل على أن من قتل من المسلمين مظلوما فهو شهيد . فلله الحمد والمنة على ذلك . ( مجموع فتاوى الشيخ ابن باز :18/253-254 ) .
ولعلّ في هذه الأسطر ما يكفي في ردِّ نسبة تلك المقولة لشيخنا رحمه الله .
وأقول لأخي المفضال /عبد العزيز قاسم ، لقد فتحت لنا بطرحك ومقالتك ، باب علم ونصرة لأهل العلم ، فقد وجدت عددا من الافتراءات - ذوات الأغراض المختلفة - على سماحة شيخي وشيخ والدي رحمهما الله تعالى بواسع رحمته وجمعنا بهم في دار كرامته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وسيكون الحديث عنها في المقال الثاني في هذا الباب إن شاء الله تعالى .
د. سعد بن مطر العتيبي .