العلائق الدولية والقانون الدولي الإسلامي (6)
ثالثاً : المعاهدات ، مدلولها ، أنواعها..
• مدلول المعاهدات في القانون الدولي الإسلامي :
كلمة المعاهدة ، كلمة تستعمل في التعبير عن الاتفاقات بين الدول تمييزاً لها ؛ لأنها لا تحكم بقواعد القانون الداخلي ؛ ولا تكاد تستعمل في المعاهدات التي تعقدها الدول مع المنظمات والأحزاب والفئات الداخلية ؛ وهذا منهج قانوني يختلف عن المنهج الإسلامي الذي يعطي المعاهدة قوة ملزمة لأطرافها ، سواء كانت مع دول أو مع جماعات دون ذلك ، وسواء كانت مع أطراف قوية أو ضعيفة ، وسواء كانت خارجية أو داخلية .
ومن هنا كان الإطار الذي يحصر المعاهدات في القانون الدولي الإسلامي ، هو إضافة المعاهدات إلى الدولة الإسلامية ؛ لتتحقق مراعاة أحكام الشريعة فيها ؛ فالمعاهدات التي تعقدها الدولة الإسلامية الملتزمة بأحكام الإسلام ، هي التي يمكن أن يطلق عليها : ( معاهدات الدولة الإسلامية ) ، فتنسب إلى الدولة الإسلامية باعتبار أنها تُعقد باسم الدولة الإسلامية ، ووفق القانون الإسلامي ، سواء كانت مع دول أو مع منظمات دولية أو محلية أو مع فئات من المجتمع الإسلامي نفسه ؛ وعلى هذا فهي : كل اتفاق ، تعقده الدولة الإسلامية ، مع الأجانب ( غير المسلمين من رعايا الدول غير الإسلامية ) ، أو الذميين ( غير المسلمين من رعايا الدولة الإسلامية ) ، أو البغاة ( المعارضة الإسلامية المسلحة ، التي تستهدف نظام الحكم المعترف به شرعاً ) لأجل علاقة مشروعة ، وتذكر فيه قواعد الاتفاق وشروطه .
هذا هو مدلول المعاهدات بالمعنى العام في القانون الدولي الإسلامي ، متضمنا ما بحثه فقهاء القانون الدولي الإسلامي من أنواع العهود ، وهو لا يخرج عن المدلول اللغوي للعهد ، الذي يعني الدخول في عقد مع طرف آخر ، أو أطراف آخرين .
* أنواع المعاهدات في القانون الإسلامي :
أ- المعاهدات التي تعقد مع الأجانب :
1)
معاهدة الصلح العام ؛ وهي : المعاقدة بين الدولة الإسلامية ، والدول المعادية أو بعضها ، على الصلح والمسالمة ، ووقف الأعمال العدائية ، مدَّة محددة أو غير محدَّدة ، ولو لم يخضعوا لحكم الدولة الإسلامية .
ومن أهم أحكامها ما يلي :
ـ أنَّ عقد الصلح مظلة لكثير من المعاهدات والمواثيق التي تتم بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى ؛ كالمعاهدات التجارية ، والاقتصادية ، والعلمية وتبادل الخبرات .. ؛ فيمكن أن يندرج تحتها معاهدات كثيرة ؛ لأنَّ مشروعية معاهدة الصلح : عامَّة ، لم يرد فيها تقييد لنوع العلاقة التي يتم الاتفاق عليها ؛ فموضوع المعاهدة الأساس هو المسالمة ، وما زاد على ذلك متروك للدولة الإسلامية ، يُنظر فيه سياسة بما تقتضيه المصلحة الشرعية ؛ فالدليل الشرعي على جواز معاهدة ما ، هو دليل جواز العلاقة التي تنظمها تلك المعاهدة ؛ فإذا كانت مشروعة شرعت هذه المعاهدة ، وصح الاتفاق عليها ، وإذا كانت غير مشروعة لم تشرع المعاهدة ، وبطل الاتفاق عليها .
مثال ذلك : المعاهدات التجارية ؛ فإنَّها تكون غير مشروعة ، إذا كان موضوعها المتاجرة في شيء من المحرمات ، كالخمور ، والربا ، والقمار ، ونحو ذلك ؛ بل يكون هذا الاتفاق باطلاً ، يجب إلغاؤه وعدم الوفاء به ، وتكون مشروعة إذا كان موضوعها المتاجرة في شيء من المباحات ، كالأطعمة المباحة ، والأنعام ، والسيارات ، والثياب ، ونحو ذلك .
ـ ينظر القانون الدولي الإسلامي إلى الدول المعادية بواقعية ؛ فيشترط لصحة عقد الصلح أن لا يكون مؤبَّداً ؛ وإنَّما يكون محدَّداً بمدَّة معيَّنة ، قابلة للتمديد ، أو بدون مدة بشرط أن يُعْلِم أحد الطرفين – أو الأطراف – الآخرَ عند نيته الانسحاب من المعاهدة ؛ فهو يوافق القانون الدولي في تحديد المدَّة وإطلاقها ؛ لكنه لا يقبل الصلح المؤَّبد ؛ لعدم واقعيته ؛ وعقد الصلح المؤبَّد باطل باتفاق فقهاء القانون الدولي الإسلامي ؛ لا يلزم الدولة الإسلامية تنفيذه ؛ وهذا ما يفسِّر معارضة الشعوب والحركات الإسلامية لعقد صلح مؤبَّد مع الكيان الصهيوني في فلسطين .
ـ أنَّ القانون الدولي الإسلامي يرفض المعاهدة التي تتم بالإكراه ، إلا في حالات استثنائية ضيقة ؛ لأنَّها تكون قد عقدت مع المكرَه ، والمكرَه في القانون الإسلامي فاقد لأهلية التعاقد ؛ فالقاعدة العامة أنَّه : إذا أُكره مندوب الدولة الإسلامية على عقد معاهدة ، لإجحافها بالدولة الإسلامية ورعاياها ؛ فإنَّها تعد معاهدة باطلة ؛ ويجب على الدولة الإسلامية رفض التصديق عليها .
ـ يؤكد القانون الدولي الإسلامي ضرورة توضيح قواعد الاتفاق وشروطه ، منعاً لِلَّبْس والغموض ، حتى لا يكون في بنود المعاهدة ما قد يكون مثاراً للاختلاف عند التطبيق ، مما قد يؤدي إلى زوال الغرض من المعاهدة ، أو نقضها ؛ وذلك انسجاماً مع وجوب تقيّد الدولة الإسلامية بما تعقده من معاهدات مشروعة ؛ إذْ يتحتم الوفاء بها وفق القانون الدولي الإسلامي .
ولك أن تقارن هذه الأخلاقيات الإسلامية ، بمحاولات قادة ما يسمى ( الشرعية الدولية ) التفلتَ من بنود المعاهدات ، بعرض تفسيرات جديدة ،لم ترد في خلد من صاغ تلك المعاهدات ووقعها وصادق عليها ؛ كمحاولات الولايات المتحدة الأمريكية التملصَ من الاتفاقات الدولية المتعلقة بالأسرى ، ومحاولة تفسيرها تفسيراً تنفرد من خلاله بهضم حقوق أسرى طالبان في كوبا .
وأين هذا من محاولات الدولة ذاتها من الخروج بالمسؤولية الجنائية لعسكرييها عن دائرة المحاكمة في محكمة الجنايات الدولية ؛ ولمَّا حاصرها العالم لجأت إلى دول صغيرة معترف بها دولياً أو غير معترف بها لتعقد معها ما يعرف بالاتفاقات الثنائية ؛ التي تقضي بعدم تسليم مجرمي الحرب من جنود الولايات المتحدة ، لمحكمة الجنايات الدولية التي كانت الولايات المتحدة ذاتها من الدول التي اقترحت إنشاءها !؟
2)
معاهدة الأمان العام . وهي نوع من أنواع الصلح ، يتميز بأنه يمنح لمحصورين لا يجدون مفرَّاً من الاستسلام للدولة الإسلامية ، وفق شروط يتفق عليها .
3)
معاهدة الأمان (الخاص) معاهدة الأمان . وهي التي سبق الحديث عنها في محور خاص .
4)
معاهدة الذمة ( عقد الذمة ) ؛ فهو في بدايته عقد مع أجانب ، لكنهم ينضمون بمقتضاه إلى رعايا الدولة الإسلامية ، مع بقائهم على دينهم ، وتلتزم بموجبه الدولة الإسلامية بحمايتهم على أن يبذلوا الجزية ( ضريبة مالية رمزية سنوية ) ، ويلتزموا أحكام الملة فيما يتعلق بهم .
ويلحظ في الجزية أمور ، منها :
ـ أنَّ الجزية عامة في الأفراد والجماعات ، فقد تعقد مع فرد ، وقد تعقد مع جماعة ، بحيث يكونون مواطنين في الدولة الإسلامية .
ـ أنَّ الجزية ضريبة مالية رمزية مقطوعة ؛ فهي أقل بكثير من الزكاة ( المبلغ المالي الذي يتعبد المسلم لله بإخراجه من ماله بنسبة معينة حسب نوع المال ، وهي في العملات = 2.5 في المائة) .
ـ أنَّ الجزية لا تؤخذ من النساء والأطفال والرهبان ؛ أمَّا الزكاة فتؤخذ من كل مسلم يملك مالاً تجب فيه الزكاة ، سواء كان امرأة أو طفلاً أو منقطعاً للعبادة أو عالماً بالدين .
ـ أنَّ الدولة الإسلامية تلتزم بموجب هذا العقد بحماية الذميين – رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين – وإذا عجزت عن ذلك ترد عليهم ما أخذ منهم من جزية ؛ ولذلك ردّ المسلمون ما جبوه من نصارى الشام من الجزية والخراج ، و قالوا لهم لما بلغتهم الحشود العسكرية الضخمة التي كانت في طريقها إلى الشام : " رددنا عليكم ما أخذنا منكم ، ونحن لكم على الشرط ، وما كتبنا بيننا وبينكم إنْ نصرنا الله عليهم " ؛ وكان نصارى الشام معجبين بعدل الجيش الإسلامي ووفائه فقد قالوا للمسلمين : " ردَّكم الله علينا ونصركم عليهم ، فلو كانوا هم ، لم يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيءٍ بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئاً " .
ـ ومما يؤكد البند السابق : أنَّ الذمي يجب أن يعفى من الجزية بمجرد دخوله في الإسلام ؛ علماً أنَّ الجزية أوفر – لدافعها - من الزكاة ؛ التي تجب على من تتوفر فيهم شروطها من المسلمين ، وعلى من يدخلون في الإسلام من أهل الديانات الأخرى .
ب- المعاهدات التي تعقدها الدولة الإسلامية مع رعاياها :
1) المعاهدات التي تعقد مع رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين : وهي العقود والعهود الداخلية ، التي تقتضي المصلحة العامة عقدها ، مع رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين ( الذميين ) ؛ كمعاهدات ترميم الكنائس للمواطنين من أهل الذمّة ، أو الاعتراف الرسمي بممثلين لأصحاب الديانات ، كممثل للنصارى أو ممثل لليهود ، أو تغيير التعرفة الضريبية التجارية ( العشور ) ، أو تغيير مقدار الضريبة الخاصة ( الجزية ) ، ونحو ذلك .
2) المعاهدات التي تعقد مع رعايا الدولة الإسلامية من المسلمين : وهي التي تعقد بين الدولة الإسلامية والمعارضة الإسلامية المسلحة ( البغاة ) ، التي تستهدف نظام الحكم المعترف به شرعاً ، كمعاهدة وقف القتال ، وتبادل المحتجزين .