كثر الحديث هذه الأيام في الصحافة في نقد قبول القضاء النظر في الدعوى المقدمة ضد إعلاميين متهمين في قضايا جنائية ، ووصل الأمر إلى تبنى بعض الإعلامين الدفاع عن هؤلاء المتهمين بطرح بعيد عن البحث العلمي والدراسة النظامية بل والقانونية .
وكنت سألت - من قبل - أحد المحامين الأمريكين عن مدى إمكانية قبول إحالة قضايا جنائية يقوم بها إعلاميون للجنة لا تنتمي للسلطة القضائية ؟ فقال باختصار : هذا مستحيل أن يحصل في أمريكا !
وحيث إن ما يهمنا نحن في بلادنا المملكة العربية السعودية هو مدى صحة نظر هذه اللجنة للقضايا الجنائية ولا سيما القضايا التي تستوجب عقوبات شرعية حدية مقدرة - وهو ما لا يوجد في نظامها أصلا - فضلا عن تعرضها لها من أروقة المحاكم ومجالس القضاء ؛ وحيث إن اللجنة صارت تعترض القضاء الشرعي وتتبنى قضاياه حتى بعد صدور حكم منه ؛ فإن من الواجب كشف مدى مشروعة نظر هذه اللجنة في قضايا ليست من اختصاصها ، سواء كان ذلك منصوصا في نظام أو لائحة أو غير منصوص ؛ للنظر في مدى شرعيته من ناحية ، وبالتالي مدى دستورية من ناحية أخرى .
لهذا كان من المهم إظهار بعض نتائج البحوث القيمة التي اعتنت بهذا الموضوع عناية خاصة ؛ ليفيد منها المسؤوولون في الدولة عن حماية القضاء وضمان استقلال سلطته ، فيعيدوا الأمور إلى نصابها ، ويحيلوا القضايا إلى جهات القضاء الشرعية والنظامية ، تحقيقا للعدالة ، وإعادة لهيبة القضاء ، وردعا للمعتدين من الإعلاميين على ثوابت الدين ومكونات الوطن ، تترسا بلجنة تنتمي إلى السلطة التنفيذية لا إلى لسلطة القضائية .
والموضوع التالي مستل في متنه وبعض مصادره من بحث قيم بعنوان : ( التعدي الإعلامي على القضاء السعودي ) ، للشيخ سليمان بن إبراهيم الفعيم .
وقد استأذنت الباحث من قبل في نشر بعض ما ورد في بحثه فأذن بذلك مشكورا . وأرجو أن يرى هذا البحث القيم النور قريبا ؛ ليفيد منه أهل الشأن من القضاة وأعوانهم من المحامين وغيرهم ، وكذا الإعلاميون أنفسهم ؛ ليدركوا أن الأمر أخطر مما يصور لهم وما يظنون .
الاختصاص القضائي للتعديات الإعلامية في النظام السعودي
نص نظام المطبوعات والنشر، واللائحة التنفيذية لنظام المؤسسات الصحفية، على أن تعرض المخالفات الإعلامية على لجنة تشكل بقرار من وزير الإعلام ، ويرأس اللجنة وكيل وزارة الإعلام المختص، وقد صدر بذلك الأمر السامي رقم 1700/م ، وتاريخ 5/6/1426هـ .
جاء في المادة (37) من نظام المطبوعات والنشر ما نصه : ( تنظر في المخالفات لأحكام هذا النظام لجنة تشكل بقرار من الوزير برئاسة وكيل الوزارة المختص ) ، وجاء في اللائحة التنفيذية من نظام المؤسسات الصحفية في المادة (26): ( الوزارة هي جهة الاختصاص للنظر في مخالفات الصحفيين لأحكام نظام المطبوعات والنشر أو لنظام المؤسسات الصحفية أو لنظام حماية حقوق المؤلف واللوائح التنفيذية لها أو لأي تعليمات تتعلق بالمطبوعات والصحافة والنشر ) .
وبالتأمل في تشكيل هذه اللجنة واختصاصاتها، نجد أن فيها مآخذ ، ويترتب عليها مفاسد ، يمكن بيانها فيما يلي :
أولاً: هذه اللجنة مخالفة للنظام الأساسي للحكم الذي يعد نظام أساس له العلو على ما عداه من أنظمة ، كما أن مضامينه تعد قواعد أساسية ومبادئ دستورية تبنى عليها الأنظمة الأخرى (1) ، حيث جاء في المادة التاسعة والأربعين منه : (مراعاة ما ورد في المادة الثالثة والخمسين من هذا النظام ، تختص المحاكم في الفصل في جميع المنازعات و الجرائم) (2) .
فالنظام الأساسي نص على أن المنازعات والجرائم بما فيها المخالفات والتعديات الإعلامية تنظرها المحاكم الشرعية ، كما أن هذه اللجنة لا تعد وفقاً لمقتضى النظام الأساسي للحكم جهة قضائية ، فلا يحق لها أن تقرر عقوبة السجن أو الجلد أو إغلاق المنشأة المخالفة وما يماثلها من عقوبات ، وإنما تقتصر قراراتها العقابية على الجزاء بالغرامة ، وتعتبر قراراتها قرارات إدارية قابلة للتظلم أمام ديوان المظالم (3) .
ثانياً : إخلالها بمبدأ استقلال القضاء (4) الذي قررته الشريعة الإسلامية ونصت عليه النظم الحديثة، والذي يراد به أمرين هما: الأول من جهة القاضي نفسه، ويعني: التجرد والحياد، وعدم التبعية أو التحيز؛ الثاني من جهة كل ذي سلطة، ويعني : عدم الهيمنة والتسلط على رجال القضاء أو التدخل في قضائهم (5) ، واللجنة خاضعة وتابعة لوزارة الإعلام .. فكيف تعاقب شخص أو جهة تابعة لوزارة الإعلام !! .. فالحقيقة هي أن الخصم هو الحكم في بعض الحالات وربما أغلبها .
ثالثاً : ما يترتب على هذه اللجنة ومثيلاتها من مفاسد وأضرار ، كإضعاف القضاء الشرعي، وتقليص دوره في حل جميع الخلافات والمنازعات(6)، والنظر في جميع الجرائم والمخالفات، كما أن أعضاء اللجان المعتبر رأيهم بالأكثرية ليسوا مؤهلين للقضاء ولا تتوفر فيهم شروطه، كما أنهم لا يملكون الضمانات الخاصة بالمؤسسة القضائية والتي يأتي على رأسها الحصانة القضائية التي تضمن لهم الحماية والاستقلال (7) ، إضافة إلى نقص الخبرة والمعرفة القضائية لدى أعضاء هذه اللجان مما يؤثر على حسن سير العدالة (8) .
رابعاً : نص النظام على اختصاص هذه اللجنة بالمخالفات الإعلامية المنصوص عليها فقط مع أن الأنظمة لم تفصل في الجرائم والمخالفات الإعلامية، وغني عن القول أن كل ممارسة إعلامية تحرمها وتجرمها الشريعة الإسلامية تعد جريمة ومخالفة يُعاقب عليها وإن لم ينص النظام عليها -كالقذف والسب عبر الإعلام-، والأصل أن ما ترك دون بيان الجهة المختصة به فدل العرف على اختصاص المحاكم الشرعية بالنظر فيه .
وهذه المآخذ تزول بالعمل بنظام القضاء الجديد الذي ردّ القضاء إلى المؤسسة القضائية، والمختصين فيه شرعاً ونظاماً، وقد جاءت آلية تنفيذه موضحة ذلك بالقضاء على جميع اللجان ماعدا ثلاث وضع لها مهلة هي (البنوك، والقضايا الجماركية، والسوق المالية) (9) .
(1) ينظر : السلطة التنظيمية في المملكة ، د. محمد بن عبدالله المرزوقي ، ص67 .
(2) النظام الأساسي للحكم ، الصادر في تاريخ 27/ 8/ 1412هـ، بالأمر الملكي رقم (أ/90) .
(3) ينظر : السلطة التنظيمية ، ص144 .
(4) ينظر : قراءة في نظام المطبوعات والنشر ، سليمان بن عبيد العنزي ، ص7 .
(5) ينظر : المصدر السابق .
(6) ينظر : التنظيم القضائي ، ص449 .
(7) ينظر : المصدر السابق ، والاختصاص القضائي ، ص 144 .
(8) ينظر : الاختصاص القضائي ، ص144 .
(9) www.cojss.com./replay.php?a=134